ابراهيم بن عمر البقاعي
569
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
مطمع ولا مرام ، فلا يفيد ما أتوا به معنى غير أنهم عاجزون عن المعارضة قاطعون بأنهم متى أتوا بشيء منها افتضحوا ، وقطع كل من سمعه بأنهم مغلوبون . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 27 إلى 30 ] فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 27 ) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 28 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ( 29 ) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 30 ) . ولما استحقوا بهذا العقوبة ، سبب عن ذلك مؤكدا لإنكارهم قوله تعالى : فَلَنُذِيقَنَّ وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا بالوصف فقال : الَّذِينَ كَفَرُوا أي هؤلاء وغيرهم عَذاباً شَدِيداً في الدنيا بالحرمان وما يتبعه من فنون الهوان وفي الآخرة بالنيران وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أي بأعمالهم . ولما كان من قدر على الأغلظ ، قدر على ما دونه قال : أَسْوَأَ أي جزاء أسوأ العمل الَّذِي كانُوا بما هو لهم كالغرائز يَعْمَلُونَ * مواظبين عليه . ولما أبلغ سبحانه في الترهيب من عقابهم ، زاد في تعظيمه وفضله لطفا لمن أراد هدايته من عباده وإقامة الحجة على غيرهم فقال : ذلِكَ أي الجزاء الأسوأ العظيم جدا جَزاءُ ولما كانت عداوة من لا يطاق آمرا زائد العظمة ، نبه على ذلك بصرف الكلام عن مظهرها إلى أعظم منه فقال : أَعْداءِ اللَّهِ أي الملك الأعظم ، لأنهم ما كانوا يفعلون ما دون الأسوأ إلا عجزا عنه لأن جبلتهم تقتضي ذلك ، وبينه بقوله : النَّارُ وفصل بعض ما فيها بقوله : لَهُمْ فِيها أي النار دارُ الْخُلْدِ أي المحل المحيط بهم الدائر من غير علم من زاوية أو غيرها يعرف به خصوص موضع منه ، مع إيذانه بالدوام واللزوم وعدم الانفكاك ، أو هو على التجريد بمعنى : هي لهم دار خلود كما كان لهم في الدنيا دار سرور بمعنى أنها كانت لهم نفسها دار لهو وغرور . ولما كانوا على أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب مصرين إصرارا يمتنع انفكاكهم عنه ، زاد حسنا قوله : جَزاءُ أي وفاقا بِما كانُوا أي جبلة وطبعا ، ورد الكلام إلى مظهر العظمة المقتضي للنكال فقال : بِآياتِنا أي على ما لها من العظمة يَجْحَدُونَ * أي ينكرون عنادا من غير مراعاة لعلوها في نفسها ولا علوها بنسبتها إلينا ، فلأجل جحودهم كانوا يقدمون على ما لا يرضاه عاقل من اللهو وغيره . ولما تراءى لهم أن الذي أوجب لهم هذا السوء جلودهم بالشهادة عليهم وقرناؤهم بإضلالهم لهم وكان التباغض والعداوة قد وقع بين الجميع ، فصار تمني كل للآخر